إمارة المؤمنين: د، محمد بونعناع. عضو المجلس العلمي المحلي لطانطان يكتب

Jamal Aabsa25 يونيو 2026آخر تحديث :
إمارة المؤمنين: د، محمد بونعناع. عضو المجلس العلمي المحلي لطانطان يكتب

إمارة المؤمنين: د، محمد بونعناع. عضو المجلس العلمي المحلي لطانطان يكتب

تقديــــــــــــم
تُعدّ إمارة المؤمنين إحدى أبرز الخصوصيات الدستورية والحضارية التي وسمت التجربة المغربية في تدبير الشأن الديني، بما تمثله من امتداد شرعي تاريخي وصيغة مؤسساتية جامعة، أسهمت، عبر تعاقب العصور، في صيانة وحدة المرجعية الدينية، واستقرار النسق المذهبي، وتنظيم العلاقة بين الدين والدولة. فهي لا تقتصر على بعدها الرمزي في ممارسة السلطة الدينية، بل تشكّل مرجعية عليا تؤطّر التدين العام، وتضبط مجالاته، وتضمن انسجامه مع مقاصد الشريعة ومتطلبات الواقع.
وقد استمدّت إمارة المؤمنين مشروعيتها من البيعة الشرعية باعتبارها تعاقدًا دينيًا وسياسيًا، ومن التأصيل الفقهي الذي جعل حفظ الدين ووحدة الجماعة مقصدًا مركزيًا من مقاصد الإمامة. غير أنّ الرهان الأساس لم يكن مقتصرًا على ترسيخ المرجعية في بعدها النظري، بقدر ما انصرف إلى حسن تنزيلها مؤسساتيًا، وتحويلها إلى ممارسة عملية قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والفكرية، ومواجهة تحديات التدين المعاصر، ولا سيما ما يتصل بقضايا الأمن الروحي، ووظيفة الخطاب الديني، وحدود التدخل المؤسسي في المجال الديني.
وفي هذا السياق، تبرز خصوصية التجربة المغربية في الجمع بين ثبات المرجعية ومرونة التنزيل، بما أفضى إلى بلورة نموذج ديني متميّز، قائم على الوسطية والاعتدال، وصيانة الثوابت، والانفتاح المنضبط على المستجدات. وقد تشكّل هذا النموذج في إطار مسار تراكمي، أسهمت فيه مؤسسات متعددة، وتجلّى بوضوح في إعادة تنظيم الحقل الديني، وتوحيد مرجعياته، وضبط آليات اشتغاله.
وتندرج إسهامات معالي الأستاذ أحمد التوفيق ضمن هذا المسار المؤسسي العام، لا بوصفها اجتهادات فردية معزولة، بل باعتبارها ترجمة عملية واعية لمقتضيات إمارة المؤمنين في بعدها المؤسساتي، من خلال الاشتغال على قضايا الحكامة الدينية، وإعادة هيكلة المجالس العلمية، وترسيخ مفهوم الأمن الروحي، وبلورة أدوات تأطيرية من قبيل خطة تسديد التبليغ، بما أسهم في تعزيز وحدة الخطاب الديني، وضمان انتظامه، وتحصينه من مظاهر الغلو أو التسيّب.
وانطلاقًا من هذا الإطار العام، يسعى هذا البحث إلى مقاربة موضوع “إمارة المؤمنين بين المرجعية الشرعية والتنزيل المؤسساتي”، من خلال قراءة تحليلية في إسهامات معالي الأستاذ أحمد التوفيق، تروم استجلاء منطق الانتقال من المرجعية إلى المؤسسة، ومن التأصيل إلى التفعيل.
وتحقيقًا لهذا الغرض، ينتظم البحث ضمن ثلاثة محاور كبرى؛ يتناول المحور الأول إمارة المؤمنين من حيث مرجعيتها الشرعية وتأصيلها الدستوري، باعتبارها الإطار الناظم للحقل الديني ومصدر مشروعيته ووحدته. ويُعالج المحور الثاني قضايا الحكامة الدينية والتنزيل المؤسساتي في ظل إمارة المؤمنين، مع إبراز إسهامات معالي الأستاذ أحمد التوفيق في بناء هذا التنزيل وترسيخه. أمّا المحور الثالث، فيُخصّص لتحليل إسهاماته في ترسيخ النموذج الديني المغربي، من خلال إبراز مرتكزاته وخصوصياته، وتقويم مدى نجاعته في مواجهة التحديات الراهنة وقابليته للتطور في ضوء المتغيرات المستقبلية.
إشكالية البحث
إلى أيّ حدّ أسهمت إمارة المؤمنين، باعتبارها مرجعية شرعية عليا، في الانتقال من التأصيل النظري إلى التنزيل المؤسساتي لتدبير الشأن الديني بالمغرب، وما موقع إسهامات معالي الأستاذ أحمد التوفيق في ترسيخ هذا الانتقال وبناء نموذج ديني مغربي متوازن وفعّال قادر على الاستجابة لتحديات التدين المعاصر؟
وتتفرع عن الإشكالية جملة من التساؤلات من قبيل:
• ما الأسس الشرعية والدستورية التي تقوم عليها إمارة المؤمنين، وكيف أسهمت في توحيد المرجعية الدينية وضبط الحقل الديني بالمغرب؟
• كيف تجسّد تنزيل إمارة المؤمنين مؤسساتيًا في إطار الحكامة الدينية؟ وما طبيعة إسهامات معالي الأستاذ أحمد التوفيق في بلورة هذا التنزيل وترسيخه؟
• وإلى أيّ حدّ أسهم هذا التنزيل المؤسساتي في بناء نموذج ديني مغربي متميّز؟ وما مدى نجاعته في مواجهة تحديات التدين الراهن وقابليته للتكيّف مع التحولات المستقبلية؟
أهمية البحث
يمثل هذا البحث محاولة لفهم آلية انتقال إمارة المؤمنين من مرجعية شرعية عليا إلى تنزيل مؤسساتي فاعل ينظم الشأن الديني بالمغرب، مع إبراز إسهامات معالي الأستاذ أحمد التوفيق في ترسيخ نموذج ديني مغربي متوازن.
ويكشف البحث عن دينامية فريدة تجمع بين الثبات المرجعي والمرونة المؤسساتية، صونًا للوسطية والاعتدال، واستجابة للتحديات المعاصرة والمتجددة للتدين.
أهداف البحث
يهدف هذا البحث إلى استكشاف منطق إمارة المؤمنين بين المرجعية الشرعية والتنزيل المؤسساتي، من خلال ما يلي:
 تحليل المرجعية الشرعية لإمارة المؤمنين.
 دراسة آليات التنزيل المؤسساتي في تدبير الشأن الديني.
 إبراز إسهامات معالي الأستاذ أحمد التوفيق في تعزيز هذا التنزيل.
 تقييم النموذج الديني المغربي وقدرته على مواجهة التحديات المعاصرة.
منهج البحث
يعتمد هذا البحث منهجية تحليلية ووصفية ، تجمع بين دراسة المرجعيات الشرعية للمفهوم، ورصد أبعاد التنزيل المؤسساتي عمليًا، مع تحليل إسهامات معالي الأستاذ أحمد التوفيق في تدبير الشأن الديني. كما يدمج بين المنهج التاريخي لفهم تطور إمارة المؤمنين والمنهج المقارن لاستجلاء خصوصيات النموذج المغربي وقدرته على مواجهة التحديات المعاصرة.
خطة البحث
يعالج البحث إشكاليته وفق خطة منهجية تشمل مقدمة وثلاث مباحث ثم خاتمة حاملة لنتائج وتوصيات البحث .
مقدمة
المبحث الأول: إمارة المؤمنين: المرجعية الشرعية والتأصيل الدستوري
المبحث الثاني: الحكامة الدينية والتنزيل المؤسساتي في ظل إمارة المؤمنين: مقاربة في إسهامات أحمد التوفيق
المبحث الثالث: إسهامات معالي الدكتورأحمد التوفيق في ترسيخ النموذج الديني المغربي
خاتمة

المبحث الأول : إمارة لمؤمنين: المرجعية الشرعية والتأصيل الدستوري
يتناول هذا المبحث الأسس المرجعية التي تقوم عليها إمارة المؤمنين، باعتبارها إطارًا ناظمًا لتدبير الشأن الديني بالمغرب، ومنطلقًا جامعًا بين الشرعية الدينية والتأصيل الدستوري. ويسعى إلى إبراز الجذور الفقهية والمقاصدية لإمارة المؤمنين، بوصفها امتدادًا لوظيفة الإمامة في حفظ الدين ووحدة الجماعة، وضمان استقرار المرجعية الدينية وصيانة الثوابت.
كما يقف المبحث عند موقع إمارة المؤمنين في الدستور المغربي، مبرزًا كيف انتقلت من شرعية تاريخية وبيعة دينية إلى مؤسسة دستورية فاعلة تؤطر الحقل الديني وتضبط اشتغاله.
المطلب الأول: المرجعية الشرعية لإمارة المؤمنين بين التأصيل الفقهي والمقاصدي
يتناول هذا المطلب المرجعية الشرعية لإمارة المؤمنين من خلال إبراز تأصيلها الفقهي باعتبارها امتدادًا لوظيفة الإمامة في حفظ الدين ووحدة الجماعة، ثم الوقوف عند بعدها المقاصدي وأثره في توحيد التدين وضبطه في إطار الوسطية والاعتدال، بما يجعلها مرجعية جامعة للأمن الروحي والاستقرار الديني.
الفقرة الأولى: إمارة المؤمنين في التصور الفقهي الإسلامي ووظائفها المقاصدية
تُعدّ إمارة المؤمنين امتدادًا لمفهوم الإمامة العظمى كما استقرّ في الفكر السياسي الإسلامي، باعتبارها نظامًا شرعيًا يروم حفظ الدين وسياسة الدنيا به، وصيانة وحدة الجماعة، وتحقيق مقاصد الشريعة في بعدها الكلي. وقد قرر الفقهاء، قديمًا وحديثًا، أن الإمامة ليست مجرد سلطة سياسية، بل هي وظيفة دينية قبل أن تكون تدبيرًا دنيويًا، قوامها حماية الملة، وضبط الشأن الديني، ومنع التنازع في المرجعيات.
ويؤكد الإمام الماوردي أن “من أهم مقاصد الإمامة حراسة الدين وسياسة الدنيا به” ، بما يضمن انتظام أمر الجماعة واستقامة التدين العام. كما شدد ابن خلدون على أن الإمامة “موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا”، وهو تعريف يربط السلطة الدينية بالوظيفة المقاصدية، لا بالممارسة الشكلية .
وفي السياق المغربي، استقرّ هذا الفهم في إطار البيعة الشرعية التي تُعدّ أصل المشروعية الدينية والسياسية لإمارة المؤمنين، باعتبارها تعاقدًا رضائيًا يربط الأمة بإمامها على أساس حفظ الدين ورعاية المصالح العامة. وهو ما يجعل إمارة المؤمنين مرجعية عليا تضبط التدين، وتحمي الثوابت، وتمنع التعدد المرجعي المفضي إلى التفكك أو الغلو.
الفقرة الثانية: المرجعية المقاصدية لإمارة المؤمنين وأثرها في توحيد التدين
تستند إمارة المؤمنين في بعدها الشرعي إلى المنظور المقاصدي الذي يجعل حفظ الدين ووحدة الجماعة من الكليات الكبرى. فليست الغاية فرض وصاية دينية جامدة، بل تنظيم المجال الديني بما يحقق الوسطية والاعتدال، ويمنع الانحرافين المتقابلين: الغلو والتسيب.
وفي هذا الإطار، يبرز تصور معالي الأستاذ أحمد التوفيق لإمارة المؤمنين باعتبارها آلية لحماية الدين من التوظيف، لا أداة لاحتكاره، إذ يؤكد في أكثر من مناسبة أن:”إمارة المؤمنين ليست جهازًا لإنتاج التدين، بل إطارًا ضامنًا لوحدته، وحارسًا لمرجعيته من التفكك أو الاستغلال” .
ويُفهم من هذا الطرح أن المرجعية الشرعية لإمارة المؤمنين لا تشتغل بمنطق الإكراه، وإنما بمنطق الضبط المقاصدي، الذي يوازن بين ثوابت الشريعة ومتطلبات الواقع، ويجعل من الأمن الروحي مقصدًا مركزيًا من مقاصد الإمامة في السياق المعاصر.
المطلب الثاني: التأصيل الدستوري لإمارة المؤمنين وتجلياتها المؤسساتية
يُبرز التأصيل الدستوري لإمارة المؤمنين موقعها كمرجعية قانونية عليا تنظّم الشأن الديني وتؤطر وظائفه في إطار وحدة المرجعية وحماية الثوابت. ومن هذا الأساس، يتأسس الانتقال من النص الدستوري إلى البناء المؤسسي، حيث تبرز إسهامات معالي الأستاذ أحمد التوفيق في تفعيل مقتضيات الدستور وتحويلها إلى ممارسة تنظيمية قائمة على الحكامة الدينية، وربط الشرعية الدستورية بالنجاعة المؤسسية في تدبير الحقل الديني.
الفقرة الأولى: إمارة المؤمنين في الدستور المغربي: الأساس القانوني والوظيفة التنظيمية
كرّس الدستور المغربي مكانة إمارة المؤمنين باعتبارها مرجعية دستورية عليا في تنظيم وتدبير الشأن الديني، حيث نصّ الفصل 41 من دستور 2011 على أن: “الملك، أمير المؤمنين، وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية” . ويؤشر هذا التنصيص الدستوري على انتقال إمارة المؤمنين من مجرد تقليد تاريخي ذي حمولة رمزية إلى مؤسسة دستورية فاعلة تضطلع بوظيفة تنظيم المجال الديني وضبط اختصاصاته، بما يضمن انسجامه مع النظام العام للدولة ووحدة المرجعية.
وفي هذا السياق، يؤكد معالي الأستاذ أحمد التوفيق أن دسترة إمارة المؤمنين ليست إجراءً شكليًا، بل اختيارًا مؤسسًا لوحدة التدين، إذ يذهب إلى أن: “إمارة المؤمنين في الدستور ليست تعبيرًا عن سلطة دينية فوق المجتمع، وإنما ضمانة دستورية لوحدة المرجعية الدينية وحمايتها من التوظيف والتفكك” . وهو ما يعكس الوعي بأهمية الإطار الدستوري في صيانة الثوابت ومنع التعدد غير المنضبط في المرجعيات والفتاوى.
وقد أتاح هذا التأصيل الدستوري بناء هندسة مؤسساتية متكاملة للحقل الديني، قوامها المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الجهوية والمحلية ومؤسسات التأطير الديني، تحت إشراف إمارة المؤمنين، وفي إطار وحدة المرجعية المذهبية والعقدية. ويؤكد الأستاد أحمد التوفيق في هذا الصدد أن: ” تنظيم الحقل الديني لا يستقيم إلا إذا تأسس على مرجعية واحدة، وعلى مؤسسات واضحة الاختصاص، تشتغل في انسجام مع الدستور وتحت مظلة إمارة المؤمنين” ، بما يجعل من الدستور مدخلًا أساسيًا للحكامة الدينية، لا مجرد نص قانوني منظم.
الفقرة الثانية: من الدستور إلى المؤسسة: قراءة في تصور أحمد التوفيق للتنزيل الدستوري
يقوم تصور معالي الأستاذ أحمد التوفيق للتنزيل الدستوري لإمارة المؤمنين على مبدأ أساسي، مفاده أن قيمة النص الدستوري تتحقق بالممارسة المؤسساتية المنظمة، لا بالنص وحده. وفي هذا الإطار، أشار التوفيق في كلمة رسمية بمناسبة إطلاق خطة «تسديد التبليغ» إلى أن:”الدستور يضع الإطار العام، لكن حماية الدين وتنظيمه يتحققان بالفعل المؤسساتي المنضبط، القائم على الاختصاص والمسؤولية” . ويؤكد هذا القول أن الشرعية الدستورية وحدها، في غياب آليات التنفيذ، تظل محدودة في تحقيق مقاصدها المتعلقة بصيانة الدين ووحدة المرجعية.
انطلاقًا من هذا الفهم، عمل معالي الأستاذ أحمد التوفيق على ترجمة الشرعية الدستورية إلى ممارسة مؤسساتية من خلال إعادة هيكلة الحقل الديني، وتوحيد مرجعياته، وربط الفعل الديني بالمؤسسات المختصة لا بالمبادرات الفردية أو الاجتهادات المعزولة. وقد صرّح في لقاء آخر أمام المجلس العلمي الأعلى بأن:”تنظيم الشأن الديني هو شرط أساسي للأمن الروحي، ولا يمكن تحقيقه إلا عبر مؤسسات واضحة الاختصاص تعمل تحت إشراف إمارة المؤمنين ووحدة المرجعية” .
وتجلّى هذا التصور عمليًا في مجموعة من الإجراءات المؤسساتية، أبرزها: إعادة تنظيم المجالس العلمية، تحديد اختصاصاتها، حصر الإفتاء والتوجيه الديني في إطار المجلس العلمي الأعلى، وإطلاق خطة تسديد التبليغ، التي وصفها أستاذ أحمد التوفيق بأنها: “أداة لتوحيد الخطاب الديني وضمان انسجامه مع الثوابت، دون مصادرة الاجتهاد المنضبط” وتعكس هذه الأمثلة منطق التنزيل الذي يحوّل النص الدستوري من مرجعية قانونية صامتة إلى دينامية مؤسسية فاعلة.
ويُستنتج من ذلك أن تصور أحمد التوفيق يرتكز على الربط بين المشروعية والنجاعة، وبين النص والمؤسسة، مما يجعل إمارة المؤمنين إطارًا جامعًا للحكامة الدينية في الدولة الحديثة، يحفظ للدين مكانته الجامعة في المجتمع، ويصون استقراره أمام مظاهر الغلو أو التفكك.
إن إمارة المؤمنين هي مرجعية فاعلة تجمع بين الثابت الشرعي والتنزيل المؤسساتي، تشكّل إطارًا موحدًا يحفظ الدين ويضمن استقرار المجتمع في مواجهة تحديات التدين المعاصر.

المبحث الثاني: الحكامة الدينية والتنزيل المؤسساتي في ظل إمارة المؤمنين: مقاربة في إسهامات أحمد التوفيق
يعالج هذا المبحث آليات تنزيل إمارة المؤمنين في بعدها المؤسساتي، من خلال مقاربة مفهوم الحكامة الدينية باعتباره الإطار الناظم لتدبير الشأن الديني في الدولة الحديثة، مع التركيز على إسهامات معالي الأستاذ الدكتور أحمد التوفيق في بلورة هذا التنزيل وترسيخه عمليًا. وينطلق المبحث من فرضية مفادها أن الانتقال من المرجعية الشرعية إلى الممارسة المؤسسية لم يكن انتقالًا آليًا أو تقنيًا، بل مسارًا تراكميًا وواعيًا، استند إلى اختيارات استراتيجية تروم تحقيق الأمن الروحي، وضمان وحدة المرجعية، وربط الشرعية بالنجاعة.
المطلب الأول: الحكامة الدينية في ظل إمارة المؤمنين: الإطار المفاهيمي والمرتكزات الناظمة
معلوم أنه لا يمكن فهم التنزيل المؤسساتي لإمارة المؤمنين بمعزل عن استحضار مفهوم الحكامة الدينية، باعتباره أداة منهجية لتدبير المجال الديني، وضمان انتقاله من منطق الضبط الظرفي إلى منطق التنظيم المستدام، ومن الشرعية المجردة إلى النجاعة العملية.
الفقرة الأولى: الحكامة الدينية من المفهوم إلى الوظيفة: نحو تدبير مؤسسي للشأن الديني
يُعدّ مفهوم الحكامة الدينية من المفاهيم الحديثة التي برزت في سياق التحولات العميقة التي عرفتها علاقة الدين بالدولة، حيث لم يعد تدبير الشأن الديني قائمًا على المبادرات الفردية أو التدخلات الظرفية، بل أضحى مجالًا مؤسسيًا منظمًا تحكمه قواعد الاختصاص والمساءلة والنجاعة. وفي هذا الإطار، تُفهم الحكامة الدينية بوصفها منظومة من الآليات القانونية والمؤسساتية والتنظيمية التي تهدف إلى حسن تدبير المجال الديني، وضمان انسجامه مع المرجعية الشرعية والثوابت الوطنية. وفي السياق المغربي، تتأسس الحكامة الدينية على إمارة المؤمنين باعتبارها المرجعية العليا التي تؤطر الحقل الديني وتضبط وظائفه، بما يحقق مقصدي حفظ الدين ووحدة الجماعة. وقد أكد معالي الأستاذ أحمد التوفيق أن تنظيم الشأن الديني ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة مقاصدية، حين اعتبر أن “الأمن الروحي لا يتحقق إلا بتنظيم مؤسسي واضح، يحول دون التسيب كما يحول دون الغلو” .
وتتجلى الوظيفة المركزية للحكامة الدينية في الانتقال من تدين عفوي غير مضبوط إلى تدين مؤطر ومؤسسي، يحفظ للدين مكانته الجامعة في المجتمع، دون أن يتحول إلى أداة صراع أو توظيف إيديولوجي. وهو ما يجعل الحكامة الدينية في المغرب امتدادًا عمليًا لمقتضيات إمارة المؤمنين، لا مجرد استيراد لمفاهيم تدبيرية معاصرة.
الفقرة الثانية: مرتكزات الحكامة الدينية في النموذج المغربي: وحدة المرجعية والأمن الروحي
ترتكز الحكامة الدينية في ظل إمارة المؤمنين على جملة من الأسس الناظمة، في مقدمتها وحدة المرجعية الدينية القائمة على العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني، باعتبارها ثوابت جامعة شكّلت عبر التاريخ عامل استقرار ديني ومجتمعي. وقد شدد الدستور المغربي لسنة 2011 على هذا الاختيار، حين جعل إمارة المؤمنين الضامن لوحدة المرجعية وحماية حرية ممارسة الشؤون الدينية.
ويُعدّ الأمن الروحي أحد المفاهيم المركزية في تصور الحكامة الدينية بالمغرب، حيث لا يُفهم الأمن هنا بمعناه الزجري أو الأمني الضيق، بل باعتباره حالة من الطمأنينة الدينية والفكرية، الناتجة عن وضوح المرجعية، وانتظام الخطاب الديني، وثقة المجتمع في المؤسسات المؤطرة له.
وفي هذا السياق، يذهب الدكتور أحمد التوفيق إلى أن “اختلال المرجعية هو المدخل الأكبر لاختلال التدين، وأن الوقاية الحقيقية تبدأ من التنظيم لا من المعالجة اللاحقة” .
ومن ثم، فإن الحكامة الدينية المغربية تقوم على الجمع بين الضبط والاحتضان؛ ضبط المجال الديني بقواعد واضحة، واحتضان التدين الشعبي في إطار الثوابت، بما يحقق التوازن بين الاستقرار والانفتاح، ويجعل من إمارة المؤمنين فاعلًا محوريًا في تدبير الشأن الديني لا مجرد سلطة رمزية.
المطلب الثاني: التنزيل المؤسساتي لإمارة المؤمنين: إسهامات أحمد التوفيق بين البناء والتفعيل
يبرز هذا المطلب مسارَ الانتقال بإمارة المؤمنين من مرجعية ضابطة إلى مؤسسة فاعلة، من خلال إسهامات أحمد التوفيق في إعادة تنظيم الحقل الديني وتوحيد مرجعيته، مع الحفاظ على الاجتهاد المنضبط. ويُعدّ تنزيل خطة تسديد التبليغ تتويجًا لهذا المسار، بوصفها نموذجًا مؤسسيًا يوازن بين التوجيه المركزي والمرونة التطبيقية، ويكرّس فعليًا وحدة الخطاب الديني واستدامة تأطيره.
الفقرة الأولى: إعادة هيكلة الحقل الديني: من التعدد غير المنضبط إلى التنظيم المؤسسي
شكّلت إعادة هيكلة الحقل الديني إحدى أبرز محطات التنزيل المؤسساتي لإمارة المؤمنين، حيث انخرط معالي الأستاذ أحمد التوفيق، منذ توليه مسؤولية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في ورش إصلاحي يروم توحيد مرجعيات الفعل الديني، وتحديد الاختصاصات، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وقد تجلّى ذلك بوضوح في إعادة تنظيم المجالس العلمية، وتعزيز دور المجلس العلمي الأعلى باعتباره الجهة الوحيدة المخوّلة للإفتاء، وفق مقتضيات الظهير الشريف المنظم له.
وقد اعتبر الدكتور أحمد توفيق أن تعدد المتدخلين في الشأن الديني دون ضوابط مؤسسية يُفضي حتمًا إلى تشويش المرجعية، وهو ما عبّر عنه بقوله: “الدين مجال حساس، وأي فراغ تنظيمي فيه سرعان ما يُملأ باجتهادات غير منضبطة” ،وانطلاقًا من هذا الوعي، تم الانتقال من منطق التدبير المحلي المتفاوت إلى منطق التنظيم الوطني المنسجم، تحت إشراف إمارة المؤمنين.
وقد أسهم هذا المسار في تعزيز الثقة في المؤسسات الدينية، وضمان وحدة الخطاب، وتحصين المجتمع من مظاهر التطرف أو الفوضى الدينية، وهو ما تؤكده التقارير الرسمية المتعلقة بإعادة تنظيم الحقل الديني بعد أحداث 2003، والتي اعتبرت التنظيم المؤسسي ركيزة أساسية للأمن الروحي .
الفقرة الثانية: خطة تسديد التبليغ نموذجًا: توحيد الخطاب الديني دون مصادرة الاجتهاد
تُعدّ خطة تسديد التبليغ من أبرز الأدوات العملية التي جسدت تصور أحمد التوفيق للتنزيل المؤسساتي لإمارة المؤمنين، حيث تهدف إلى توحيد الخطاب الديني من حيث المرجعية والمقاصد، دون الوقوع في النمطية أو الإملاء الجامد. وقد أوضح التوفيق، خلال كلمته الافتتاحية لإطلاق الخطة، أن الغاية منها “ليست إنتاج خطاب واحد، بل ضمان انسجام الخطابات داخل إطار مرجعي جامع” .
وتقوم الخطة على إشراك العلماء والأئمة والمرشدين في تنزيل مضامين موحدة تراعي خصوصيات السياق المحلي، وتستحضر حاجات المجتمع، بما يجعلها نموذجًا للحكامة التشاركية في المجال الديني. كما أنها تعكس وعيًا عميقًا بضرورة الجمع بين التوجيه المركزي والمرونة التطبيقية، وهو ما يُعدّ من أبرز خصائص النموذج الديني المغربي.
ومن خلال التجربة الميدانية للمجالس العلمية الجهوية والمحلية، يتضح أن خطة تسديد التبليغ أسهمت في رفع منسوب الانسجام في الخطاب الديني، وتعزيز حضوره القيمي والتربوي، دون أن تُلغِي الاجتهاد المنضبط أو التنوع المشروع. وهو ما يجعلها تجسيدًا عمليًا لانتقال إمارة المؤمنين من المرجعية إلى المؤسسة، ومن النص إلى الممارسة.
وعلى هذا الأساس فإن مشروع خطة تسديد التبليغ، الذي يمكن اعتباره فتحًا مؤسسيًا نوعيًا في تاريخ تدبير الخطاب الديني بالمغرب. لا يختزل في كونه آلية تنظيمية ظرفية، بل يشكّل تحوّلًا نوعيًا في فلسفة التأطير الديني، قائمًا على الانتقال من منطق التوجيه المناسباتي إلى منطق البناء الاستراتيجي طويل النفس.
المحور الثالث: إسهامات معالي الدكتور أحمد التوفيق في ترسيخ النموذج الديني المغربي
يحظى النموذج الديني المغربي برعاية دقيقة تؤكد على وحدة المرجعية ووضوح الاختصاصات ومرونة التطبيق العملي، وهو ما تعكسه إسهامات معالي الدكتور أحمد التوفيق. هذه الإسهامات تمثل توازنًا متقنًا بين الثوابت العقدية والمذهبية، والهياكل المؤسسية المنسقة، والتنزيل الميداني الفعّال، بما يضمن انسجام الخطاب الديني مع مقاصده الكبرى وحماية الأمن الروحي للمجتمع. كما تجسد إعادة هيكلة الحقل الديني وخطة «تسديد التبليغ» نموذجًا عمليًا لكيفية ترجمة المبادئ الدستورية والمؤسساتية إلى واقع ملموس، يحافظ على مرجعية مستقرة، ويتيح اجتهادًا منضبطًا في خدمة المجتمع.
المطلب الأول: ترسيخ المرجعية العقدية والمذهبية للنموذج الديني المغربي
الفقرة الأولى: تثبيت الثوابت الدينية باعتبارها أساس النموذج المغربي
ينطلق معالي الدكتور أحمد التوفيق في ترسيخ النموذج الديني المغربي من وعيٍ عميق بأن الاستقرار الديني لا يتحقق إلا في ظل مرجعية عقدية ومذهبية واضحة ومشتركة، تُنهي حالة السيولة المرجعية، وتحدّ من التنازع في الفهم والتأويل. ومن هذا المنطلق، يحرص التوفيق على التأكيد على مركزية الثوابت الدينية المغربية، المتمثلة في العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني الجنيدي، وإمارة المؤمنين، باعتبارها منظومة متكاملة لا عناصر متفرقة، شكّلت عبر التاريخ الإطار الناظم للتدين المغربي.
ولا يتعامل معالي الأستاذ أحمد التوفيق مع هذه الثوابت باعتبارها اختيارات مذهبية جزئية أو انتماءات فقهية ضيقة، بل ينظر إليها بوصفها نتاجًا تاريخيًا تراكميًا أفرزته التجربة المغربية في تدبير الشأن الديني، في سياق اجتماعي وثقافي متنوع، تطلّب مرجعية قادرة على الجمع بين الضبط والاستيعاب، وبين الثبات والمرونة، وهو ما يفسر – في تصوره – قدرة النموذج المغربي على الصمود أمام التحولات الفكرية والتحديات العقدية، دون الوقوع في الانغلاق أو التفكك.
ويبرز البعد الوظيفي لهذه الثوابت بوضوح في خطاب معالي الأستاذ أحمد التوفيق، حيث يؤكد أن العقيدة الأشعرية أسهمت في تحصين الوعي الديني من النزعات التجسيمية والتكفيرية، وأن المذهب المالكي وفّر إطارًا فقهيًا قائمًا على مراعاة المقاصد والعوائد والاستصلاح، بما جعله أكثر قابلية للتفاعل مع الواقع. كما أن التصوف السني – في صيغته الجنيدية – لم يكن ممارسة روحية منعزلة، بل شكّل بعدًا تزكويًا وأخلاقيًا حافظ على توازن التدين بين الظاهر والباطن .
وفي هذا السياق، شددمعالي الأستاذ أحمد التوفيق في أكثر من خطاب رسمي على أن “المرجعية الدينية الموحدة هي صمام أمان للأمن الروحي، وأن أي اختلال فيها يفتح الباب أمام التنازع والفتنة”، معتبرًا أن أخطر ما يهدد المجتمعات المسلمة اليوم ليس ضعف التدين، بل تفكك مرجعيته وتعدد مصادره دون ضابط . ومن ثمّ، فإن تثبيت هذه الثوابت لا يُقصد به تكريس محافظة جامدة أو إقصاء التنوع المشروع، وإنما تنظيم هذا التنوع داخل إطار مرجعي جامع يحفظ وحدة التدين، ويضبط تحوّلاته، ويمنع توظيفه الإيديولوجي.
و يتجلى هذا التوجه عمليًا في اعتماد برامج تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات على مقررات موحدة في العقيدة الأشعرية والفقه المالكي، مع إدماج التصوف السني باعتباره بُعدًا تزكويًا واقعيًا، لا خطابًا انعزاليًا. وقد مكّن هذا التوحيد المرجعي من رفع مستوى الانسجام في الخطاب الديني، وتقليص مظاهر التناقض الفقهي والعقدي في التوجيه الديني الميداني .
الفقرة الثانية: إمارة المؤمنين كضامن لوحدة المرجعية الدينية
ينطلق تصور معالي الدكتور أحمد التوفيق لإمارة المؤمنين من اعتبارها آلية دستورية-شرعية لضبط المجال الديني، لا مجرد إطار رمزي لممارسة السلطة الدينية أو امتداد تاريخي للبيعة. فإمارة المؤمنين، في هذا التصور، تؤدي وظيفة تنظيمية عليا، غايتها توحيد المرجعية الدينية وحمايتها من التفكك والتنازع، بما يضمن انسجام التدين العام واستقراره في مجتمع متعدد المشارب والتمثلات.
وفي هذا السياق، يربط التوفيق بين دسترة إمارة المؤمنين وبين التحولات العميقة التي عرفها المجال الديني المعاصر، حيث أصبحت المرجعيات الدينية عرضة للتجاذب الإيديولوجي والتوظيف السياسي، مما أفرز أنماطًا من التدين المتنازع والمتصارع. ومن هنا، يؤكد أن التنصيص الدستوري على إمارة المؤمنين في الفصل 41 من دستور 2011 لم يكن استجابة شكلية لتراث تاريخي، بل اختيارًا مؤسِّسًا يروم حماية وحدة المرجعية الدينية، وضمان استقلالها عن منطق الصراع الحزبي أو التوظيف الدعوي الضيق .
ويُبرز التوفيق أن القيمة العملية لإمارة المؤمنين تتجلى في قدرتها على نقل التدين من مجال التعدد غير المنضبط إلى فضاء التنظيم المؤسسي، حيث لم يعد الاختلاف الفقهي أو الاجتهادي مجالًا للتنازع العمومي، بل أصبح مؤطرًا داخل مؤسسات علمية مختصة. وفي هذا الإطار، يشدد على أن حصر الإفتاء في المجلس العلمي الأعلى لا يرمي إلى إلغاء التعدد الفقهي، وإنما إلى تنظيمه وضبطه داخل مرجعية جامعة، تمنع الفوضى الإفتائية وتحصّن المجتمع من الخطابات المتناقضة.
ويترتب عن هذا التنظيم، في تصورمعالي الدكتور أحمد التوفيق، انتقالٌ نوعي من سلطة الأشخاص إلى سلطة المؤسسات، ومن التدين المرتجل إلى التدين المؤطر، وهو ما مكّن من بناء خطاب ديني منسجم في مقاصده الكبرى، دون أن يفقد قدرته على التفاعل مع السياقات المحلية والاجتماعية. وبهذا المعنى، تصبح إمارة المؤمنين شرطًا من شروط الأمن الروحي، لأنها تضمن وضوح المرجعية، وتوفّر الثقة في المؤسسات الدينية، وتحدّ من مظاهر التسييس أو الاستقطاب العقدي .

ويميز هذا النموذج المغربي، كما يذهب التوفيق، عن تجارب أخرى عرفت إما تسييسًا مباشـرًا للدين، حيث تحوّل الخطاب الديني إلى أداة صراع سياسي، أو تفكيكًا للمرجعية، حيث تُرك المجال الديني لتعدد الفاعلين دون ضابط مؤسسي، مما أفضى إلى اضطراب التدين وتنازع التأويلات. أما في السياق المغربي، فقد أسهمت إمارة المؤمنين في الجمع بين وحدة المرجعية ومرونة التنزيل، وهو ما مكّن من استدامة النموذج الديني وتحصينه في مواجهة التحولات الفكرية والاجتماعية .
ويتجلى هذا الدور الضامن لإمارة المؤمنين في توحيد خطب الجمعة وتوجيهها نحو قضايا مجتمعية كبرى، كقضايا الأسرة، والتماسك الاجتماعي، وترسيخ القيم الأخلاقية، وذلك في إطار خطة تسديد التبليغ التي تشرف عليها المؤسسات العلمية تحت مظلة إمارة المؤمنين. وقد مكّن هذا التوجيه من تحقيق انسجام واضح في الخطاب الديني الوطني، مع ترك هامش للاجتهاد في أساليب المعالجة، دون المساس بالمرجعية والمقاصد العامة.
المطلب الثاني: الإسهام العملي في تنزيل النموذج الديني المغربي مؤسساتيًا وميدانيًا
الفقرة الأولى: إعادة هيكلة الحقل الديني وترسيخ الحكامة الدينية
يُعدّ ورش إعادة هيكلة الحقل الديني من أبرز الإسهامات العملية لمعالي الدكتور أحمد التوفيق في تنزيل النموذج الديني المغربي، إذ انتقل من منطق التدبير الجزئي إلى منطق البناء المؤسسي المنظم، القائم على وضوح الاختصاصات، ووحدة المرجعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وقد انطلق هذا الورش من تشخيص واقعي مفاده أن تعدد المتدخلين في الشأن الديني، دون تأطير مؤسسي واضح، يُفضي حتمًا إلى تشويش المرجعية، وتضارب الخطابات، واختلال وظيفة التأطير الديني.
وفي هذا السياق، عملمعالي الدكتور أحمد التوفيق على إعادة تنظيم المجالس العلمية، ليس فقط من حيث البنية، بل من حيث الوظيفة والموقع داخل منظومة إمارة المؤمنين، وذلك عبر تعزيز دور المجلس العلمي الأعلى باعتباره الجهة الوحيدة المخوّلة للإفتاء والتوجيه الديني العام، وفق مقتضيات الظهير الشريف المنظم له . وقد مكّن هذا الاختيار من الانتقال من تعددية فتاوى غير منضبطة إلى وحدة مرجعية مؤطرة، دون إلغاء التنوع الفقهي المشروع داخل الإطار المالكي.
ويؤكد أحمد التوفيق أن الحكامة الدينية، بهذا المعنى، لا تُختزل في إجراءات إدارية أو تنظيمية، بل هي ضرورة مقاصدية تفرضها حساسية المجال الديني، وارتباطه المباشر بوحدة المجتمع واستقراره. وفي هذا الإطار، صرّح بأن: “الدين إذا تُرك دون تنظيم مؤسسي صار مجالًا للفوضى أو الاستغلال”، مبرزًا أن الوقاية من الانحراف تبدأ من التنظيم، لا من المعالجة اللاحقة . ويعكس هذا التصور انتقالًا واعيًا من منطق التدخل الظرفي إلى منطق التدبير الاستراتيجي طويل النفس.
وقد أفضى هذا التوجه إلى توحيد آليات اشتغال الحقل الديني ورفع منسوب الانسجام بين مكوّناته، حيث أصبح التأطير الديني يخضع لتوجيه وطني منسجم، مع مراعاة الخصوصيات المحلية في التنزيل، دون المساس بالمرجعية أو المقاصد الكبرى. وهو ما أسهم في تعزيز الثقة في المؤسسات الدينية، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في الخطاب والممارسة.
ويتجلى هذا المسار بوضوح في صدور الظهير الشريف المتعلق بإعادة تنظيم المجالس العلمية، والذي حدّد اختصاصاتها بدقة، وربطها مباشرة بالمجلس العلمي الأعلى، تحت إشراف إمارة المؤمنين، بما جعلها جزءًا من منظومة مؤسسية متكاملة، لا وحدات مستقلة متفرقة .
الفقرة الثانية: خطة تسديد التبليغ نموذجًا لتوحيد الخطاب الديني
تُعدّ خطة تسديد التبليغ من أبرز الإسهامات التطبيقية لمعالي الدكتور أحمد التوفيق في تنزيل النموذج الديني المغربي ميدانيًا، حيث مثّلت انتقالًا نوعيًا في فلسفة التأطير الديني من منطق التوجيه المناسباتي إلى منطق البناء المنهجي المستدام للخطاب الديني. وقد هدفت الخطة إلى توحيد الخطاب الديني من حيث المرجعية والمقاصد الكبرى، دون الوقوع في النمطية أو مصادرة الاجتهاد المنضبط.
ويؤكد معالي الدكتور أحمد التوفيق في تقديمه للخطة أن الغاية منها ليست فرض خطاب واحد جامد، بل ضمان انسجام الخطابات الدينية داخل إطار مرجعي جامع، يحفظ وحدة التوجيه، ويمنع التناقض الذي يُربك المتلقي ويُضعف أثر الخطاب الديني في المجتمع . وبذلك، جاءت الخطة تجسيدًا عمليًا لفكرة الحكامة الدينية، من خلال الجمع بين التوجيه المركزي والمرونة التطبيقية.
وقد تجلّى الأثر الميداني للخطة في رفع منسوب الانسجام في الخطب والدروس الوعظية، وتعزيز حضور القضايا القيمية والتربوية المرتبطة بالواقع الاجتماعي، مثل قضايا الأسرة، والتماسك المجتمعي، والمواطنة، ومحاربة مظاهر الانحراف والعنف الرمزي. وأسهم هذا التوجيه في إعادة ربط الخطاب الديني بهموم المجتمع، دون إخراجه عن مقاصده الشرعية وثوابته المرجعية .
كما مكّنت الخطة من إشراك العلماء والأئمة والمرشدين في تنزيل مضامينها، في إطار مقاربة تشاركية تحترم خصوصيات السياق المحلي، وتُفعّل الاجتهاد في أسلوب التبليغ لا في المرجعية. وهو ما جعلها تُعدّ تحوّلًا استراتيجيًا في تدبير الخطاب الديني، يوازن بين وحدة التوجيه وتنوع التنزيل.
ويتمثل ذلك في اعتماد موضوعات موحدة في الخطب والدروس خلال المناسبات الدينية الكبرى (رمضان، الأعياد، الدخول المدرسي)، مع ترك هامش واسع لاختيار الأمثلة والأساليب الملائمة للسياق المحلي، في إطار مضامين مرجعية موحدة .
خاتمــة
إن دراسة إمارة المؤمنين بين المرجعية الشرعية والتنزيل المؤسساتي، وقراءة إسهامات معالي الأستاذ الدكتور أحمد التوفيق، تكشف عن نموذج مغربي فريد في تدبير الشأن الديني، يجمع بين الثبات المرجعي والمرونة المؤسساتية. فقد بين البحث أن إمارة المؤمنين ليست مجرد تقليد تاريخي أو رمزية دستورية، بل إطار شرعي ومؤسساتي متكامل، يضمن وحدة المرجعية الدينية، ويضبط التدين العام وفق مقاصد الشريعة، مع مراعاة متطلبات الواقع والتحولات الاجتماعية والفكرية المعاصرة.
كما أظهر البحث أن الشرعية الدستورية لإمارة المؤمنين تتحقق فاعليتها عمليًا من خلال ممارسات مؤسساتية منظمة، تستند إلى الحكامة الدينية، وتوظف أدوات فعّالة مثل إعادة هيكلة المجالس العلمية وخطة “تسديد التبليغ”، بما يسهم في توحيد الخطاب الديني، وضمان انسجامه مع الثوابت، دون مصادرة الاجتهاد المشروع. وقد تبيّن أن هذا النهج يعكس وعيًا استراتيجيًا عميقًا بأهمية الربط بين المرجعية والتطبيق، بين النص والمؤسسة، وبين الضبط والمرونة، وهو ما جعل النموذج المغربي قادرًا على مواجهة التحديات المعاصرة للتدين، والتحولات الفكرية والاجتماعية دون التفكك أو الانغلاق.
وعليه، يُمكن التأكيد أن جهود معالي الأستاذ الدكتور أحمد التوفيق تمثل ترجمة عملية وواعية لمقتضيات إمارة المؤمنين في بعديها الشرعي والمؤسساتي، حيث أسهمت في ترسيخ الأمن الروحي، وحماية الثوابت الدينية، وتعزيز ثقة المجتمع في مؤسساته الدينية، وضمان استدامة خطاب موحد ومتوازن. كما أنها تمثل نموذجًا يُحتذى به في الحكامة الدينية، يجمع بين التوجيه المركزي والتكيف مع خصوصيات السياق المحلي، ويعكس الاهتمام الكبير بالحفاظ على تماسك المجتمع واستقراره الروحي والقيمي.
ختامًا، يوضح هذا البحث أن إمارة المؤمنين، بقيادة حكيمة ومرجعية رصينة، ليست مجرد سلطة رمزية، بل ركيزة استراتيجية للتنمية الروحية والاجتماعية في المغرب، وأن إسهامات معالي الأستاذ الدكتور أحمد التوفيق قد نجحت في تحويل هذه المرجعية إلى فعل مؤسسي فاعل يحقق التوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويضمن مستقبلًا دينياً متينًا قادرًا على صون الوسطية والاعتدال، وحماية المجت
مع المغربي من أي مظاهر للفوضى أو الانحراف الديني.

قائمة المصادروالمراجع
o أحمد التوفيق. كلمة موجهة إلى الأئمة والمرشدين ومتصلة بخطة تسديد التبليغ منشورة في موقع الوزارة بتاريخ 15 أكتوبر 2024 ضمن فعاليات التدريب والتكوين التدين وتبليغه.
o أحمد التوفيق. حوار صحفي مع موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، منشور بتاريخ 8 شتنبر 2014.
o أحمد التوفيق. كلمة بعنوان “إمارة المؤمنين والأمن الروحي”، ألقاها خلال اللقاء الوطني للمجالس العلمية، الرباط، 20 أبريل 2015.
o أحمد التوفيق. كلمة حول “تنظيم الحقل الديني”، المجلس العلمي الأعلى، الدورة العادية، فاس، 12 يونيو 2016.
o أحمد التوفيق. “التأكيد على دور إمارة المؤمنين في حماية الثوابت الدينية وضمان انسجام المرجعية.” تصريح، وكالة المغرب العربي للأنباء، 10 يونيو 2022، منشور على موقع SNRT News.
o أحمد التوفيق. “تدبير الشأن الديني بالمغرب منوط بإمارة المؤمنين بمقتضى عقد البيعة.” تصريح، موقع Cawalisse، 13 أبريل 2016.
o أحمد التوفيق. “الإمامة العظمى واستنادها إلى البيعة الشرعية.” كلمة ألقاها معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – المملكة المغربية، 15 أبريل 2025.
o أحمد التوفيق. “إمارة المؤمنين والأمن الروحي”، كلمة منشورة ضمن وثائق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 2017.
o المواردى. الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق: أحمد مبارك البغدادي، دار ابن قتيبة، ط. 1، 1989.
o المجلس العلمي الأعلى. التقرير السنوي لأعمال المجالس العلمية 2018، وثيقة رسمية غير منشورة، الرباط، 2018.
o ابن خلدون. المقدمة، دار الفكر، بيروت، ط. 3، 2004.
o محمد ضريف. الحقل الديني بالمغرب: البنية والتحولات، منشورات أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2018.
o دستور المملكة المغربية لسنة 2011. الفصل 41.
o الظهير الشريف رقم 1.03.300 بتنظيم المجالس العلمية. الجريدة الرسمية، عدد 5170، 2004.
o وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. دليل تكوين الأئمة، الرباط، 2018.
o وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ أحمد التوفيق حول الشأن الديني وإطلاق خطة تسديد التبليغ، الرباط، 2024. تم الاسترجاع من
https://www.habous.gov.m
الجنوبية بريس ترصد الأحداث وتنقل الخبر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة