لك الله يا وطني…
عندما يصبح البحر أرحم من اليابسة.

لم يكن ما شاهدناه اليوم وماتناقلته وسائل التواصل الإجتماعي مشهدا عاديا. كان واحدا من أكثر المشاهد إيلاما التي عاشها المغاربة. مئات الشباب، والرجال، والنساء، بل وحتى الأطفال، يركضون نحو البحر، وكأنهم يفرون من واقع لم يعد يحتمل. مشهد يدمع المقلة، ويعتصر القلب ألما، ويجعل الكلمات تعجز عن وصف ما رأته العيون.
ترى الزوج يمسك بيد زوجته، ويحمل فلذة كبده بين ذراعيه وهو يجري نحو المجهول. وترى أبا يحمل طفلتين في عمر الزهور، مكانهما الطبيعي المدرسة، ودفء البيت، وحضن الوطن، لا أمواج البحر ولا مخاطر الموت. ومع ذلك، كان الأب موقنا أن الضفة الأخرى قد تمنح أبناءه ما عجز وطنه عن منحه لهم: الأمان، والكرامة، ومستقبلا يليق بإنسانيتهم.
لك الله يا وطني… ولكم الله يا أبناء وطني.
ليس سهلا أن يرمي الإنسان بنفسه في البحر، وهو يعلم أن الموت أقرب إليه من النجاة. وليس سهلا أن تودع أم أبناءها وهي لا تعلم هل ستراهم مرة أخرى أم سيبتلعهم البحر إلى الأبد. لا أحد يختار هذا الطريق إلا إذا شعر أن كل الأبواب قد أغلقت في وجهه.
ماذا فعلت يا وطني حتى أصبح شبابك يهربون منك بهذه الطريقة؟ وماذا فعل المسؤولون حتى أصبحت سواعد المستقبل ترى في الهجرة خلاصها الوحيد؟
ماذا فعلتم بجيل كان من المفترض أن يبني هذا الوطن، فإذا به يبحث عن وطن آخر يبنيه؟
رغم الشعارات، ورغم الخطابات، ورغم كل الوعود، تبقى هذه المشاهد من أكبر الهزائم التي تؤلم الوطن أمام أنظار العالم. فهذه المناظر لا تأتي من فراغ، ولا يولد اليأس في ليلة واحدة، بل هو تراكم سنوات من البطالة، والفقر، والإحباط، والشعور بالتهميش، وضيق الأفق لدى فئات واسعة من الشباب.
إن كثيرا من حاملي الشهادات الجامعية يعيشون سنوات طويلة في انتظار فرصة عمل أو مباراة، ويشعرون بأن أحلامهم تتآكل يوما بعد يوم. وآخرون يرهقهم غلاء المعيشة، وارتفاع تكاليف الحياة، حتى أصبحت أبسط مقومات العيش الكريم بعيدة المنال بالنسبة لعدد كبير من الأسر.
ولعل أكثر ما يحز في النفس، أن ترى بعض الشباب، بعد وصولهم إلى الضفة الأخرى، يرفعون إشارة النصر. أي نصر هذا الذي يجعل الإنسان يحتفل لأنه غادر وطنه؟ إنها لحظة تختصر حجم الألم الذي يسكن نفوسهم، وتعكس شعورهم بأنهم وجدوا أملا افتقدوه في بلدهم، سواء اتفقنا مع هذا الشعور أو اختلفنا معه.
إن هذه الصور ليست إساءة للمغرب، وليست انتصارا لإسبانيا، بل هي صرخة موجعة تستحق أن تُسمع. صرخة شباب يبحث عن فرصة، وعن كرامة، وعن مستقبل، قبل أن يبحث عن أرض جديدة يعيش فوقها.
وفي الختام، قد يرى البعض أن ما حدث مجرد أزمة حدود، لكن الدول التي تستقبل المهاجرين لا تنظر إلى الأمر من هذا المنظار وحده، بل تنظر إليه أيضا من زاوية ديموغرافية واقتصادية. فإسبانيا، كغيرها من عدد من الدول الأوروبية، تواجه تحديات مرتبطة بشيخوخة السكان وتراجع معدلات الولادة، لذلك تمثل اليد العاملة الشابة بالنسبة إليها رصيدا استراتيجيا للمستقبل. فالشاب الذي يصل إليها في مقتبل العمر سيعمل، وينتج، ويدفع الضرائب، ويستهلك، ويساهم في تحريك عجلة الاقتصاد لعقود قادمة. ومن هذه الزاوية، فإن المهاجر الشاب يعد استثمارا بشريا مهما للدول المستقبلة.
أما نحن، فالسؤال الذي يجب أن يؤرق ضمير كل مسؤول ليس لماذا تستفيد الدول الأخرى من شبابنا، بل لماذا أصبح شبابنا يرى مستقبله خارج وطنه أكثر مما يراه داخله؟ إن خسارة الوطن لأبنائه ليست مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل هي خسارة لسواعد وعقول كان من المفترض أن تبني المغرب، فإذا بها تبني مستقبل أوطان أخرى.
لك الله يا وطني… ولكم الله يا أبناء وفلذات أكباد هذا الوطن.
نسأل الله أن يحفظ كل شاب خاطر بحياته، وأن يرد كل غائب إلى أهله سالما، وأن يوفق المسؤولين إلى اتخاذ قرارات تعيد الأمل إلى
شباب هذا الوطن، حتى يصبح حلمهم هو البقاء فيه، لا الهروب منه.
بقلم ✍️: مريم الحيمر
القلم… صوت من لا صوت له




