عذرا وطني… أقسى الهزائم… أن تعجز عن إقناع ابنك بأن العدل ما زال ممكنا

Jamal Aabsa28 يوليو 2026آخر تحديث :
عذرا وطني… أقسى الهزائم… أن تعجز عن إقناع ابنك بأن العدل ما زال ممكنا

عذرا وطني…
أقسى الهزائم… أن تعجز عن إقناع ابنك بأن العدل ما زال ممكنا

عذرا وطني…

ليس لأنني فقدت حبي لك، بل لأنني أخشى أن أفقد قدرتي على إقناع أبنائي بكل ما علمتهم إياه. فما أشد انكسار الإنسان حين يقف أمام فلذات كبده، عاجزا عن تفسير واقع يناقض المبادئ التي غرسها في نفوسهم منذ نعومة أظافرهم.

منذ سنوات، وأنا أردد على مسامعهم: من ظلمك فلا تظلمه، ومن أساء إليك فلا ترد الإساءة بمثلها، ومن اعتدى عليك فهناك قانون يحميك؛ لأن وطننا وطن الحق، ووطن المؤسسات، ووطن القانون.

كنت أؤمن أن التربية لا تكون بالمواعظ، بل بالقدوة. فلا أطلب من ابني أن يحترم الصلاة قبل أن يراني محافظا عليها، ولا أحدثه عن الصدق وأنا أكذب، ولا أغرس في قلبه قيمة العدل إن كان الواقع من حوله يهدمها كل يوم.

فالطفل لا يحفظ الكلمات، بل يحفظ المشاهد. يحفظ كيف يتصرف أبوه عندما يهان، وكيف تتمسك أمه بكرامتها عندما تظلم، ويحفظ قبل كل شيء سؤالا واحدا: هل انتصر الحق… أم انتصر الأقوى؟

ثم تأتي لحظة الاختبار…

يتعرض الإنسان للإهانة أو السب أو الاعتداء، فيلتفت فيجد أبناءه يراقبونه بصمت. لا يسألونه بألسنتهم، بل بعيونهم: أين القانون الذي حدثتنا عنه؟ أين العدالة التي قلت إنها لا تميز بين الناس؟ أين الكرامة التي أخبرتنا أنها حق لكل مواطن؟

في تلك اللحظة، لا يكون الأب مطالبا بالدفاع عن نفسه فقط، بل يصبح مطالبا بالدفاع عن سنوات طويلة من التربية.

وأي عبء أثقل من هذا؟

إن الطفل لا يعرف دهاليز القوانين، ولا تعقيدات الإجراءات، ولا يميز بين الخطأ الفردي والمنظومة بأكملها. هو يرى النتيجة فقط. فإن رأى المظلوم يبكي، والظالم يبتسم، اهتزت في داخله الصورة التي رسمها عن العدل.

حين يهزم الواقع ما غرسته التربية

وهنا تبدأ الهزيمة الحقيقية…

ليست هزيمة شخص أمام شخص، وإنما هزيمة فكرة أمام واقع، وهزيمة قيمة أمام مشهد، وهزيمة تربية أمام تجربة.

وقد يشعر بعض المواطنين، في مواقف معينة، أن الناس لا يعاملون دائما بالطريقة نفسها، وأن المكانة الاجتماعية أو النفوذ أو العلاقات قد تؤثر في نظرة الآخرين إليهم. وعندما يتكرر هذا الإحساس، تتسلل المرارة إلى النفوس، ويصبح السؤال مؤلما: هل الإنسان يقدر بما هو عليه… أم بما يملكه ومن يعرفه؟

إن أخطر ما قد نخسره ليس قضية، ولا خصومة، ولا حتى حقا ماديا، بل أن نخسر ثقة طفل كان يعتقد أن القانون هو الملاذ الأخير للمظلوم.

فعندما يرى أباه يعود مكسور الخاطر، أو أمه تبكي لأنها لم تجد من ينصفها، فإنه يبدأ في إعادة كتابة قاموسه الأخلاقي.

قد يستبدل كلمة “العدل” بكلمة “القوة”.

وقد يستبدل كلمة “القانون” بكلمة “النفوذ”.

وقد يقتنع، دون أن ينطق بها، أن الحقوق لا تنتزع إلا بالغلبة.

وهنا نصبح، من حيث لا نشعر، قد ربينا جيلا يخاف القانون بدلا من أن يحترمه، ويبحث عن القوة بدلا من أن يبحث عن الحق.

لا لأننا فشلنا في التربية، بل لأن الواقع كان أقوى من الكلمات.

الوطن يبنى بالثقة قبل الحجر

إن الوطن لا يبنى بالإسمنت وحده، ولا بالطرقات ولا بالمباني، وإنما يبنى بثقة مواطنيه. فإذا اهتزت تلك الثقة، اهتز معها كل شيء.

سيظل الفقير يحلم بأن يدخل إلى إدارة، أو مستشفى، أو مدرسة، وهو يشعر أن كرامته مصونة، وأن صوته مسموع، وأن حقه لا يتغير بتغير اسمه، أو مهنته، أو مكانته الاجتماعية.

فهذا الحلم ليس امتيازا، بل هو جوهر المواطنة.

لك الله أيها الفقير…

يا من لا تملك إلا كرامتك، وتخشى أن تعود بها يوما مكسورة أمام أبنائك.

ولنا الله في انكساراتنا التي لا يراها الناس، وفي تلك الأسئلة التي تلمع في عيون أطفالنا كلما عجزنا عن إقناعهم بأن العدل ما زال ممكنا.

فأقسى الهزائم ليست أن تخسر قضية، ولا أن يهزمك خصم، وإنما أن تعجز عن أن تجعل ابنك يصدق، بعد كل ما رآه، أن القانون وجد ليحمي الجميع، وأن الكرامة لا ينبغي أن تكون امتيازا يمنح للبعض، بل حقا يصان لكل إنسان.

“إن أخطر ما قد نخسره ليس قضية في محكمة، ولا خصومة مع إنسان، بل أن نخسر جيلا لم يعد يؤمن بأن العدل ممكن، لأن الواقع سبق الكلمات إلى قلبه.”

✍️ بقلم: مريم الحيمر
كاتبة وصحفية.
حين يصبح القلم صوتا لمن لا صوت له.

#الجنوبية_بريس #ترصد_الأحداث_وتنقل_الخبرج

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة