رجالات من الذاكرة (الحلقة رقم 5)
المرحوم الكولونيل ماجور أيدا ولد التامك
الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما:الجنوبية بريس متابعة
تُعدّ الصحراء المغربية مجالًا تاريخيًا عريقًا ارتبط بالمملكة المغربية منذ قيام الدولة المغربية الأولى، حيث تعاقبت عليها قبائل صحراوية ذات جذور ضاربة في القدم، اشتهرت بالشجاعة والكرم وحماية المجال الصحراوي وشساعته. وتمتد الصحراء المغربية على مساحات واسعة تربط شمال المغرب بجنوبه وشرقه بغربه، وتتحكم في بوابة المغرب نحو العمق الإفريقي، مما منحها موقعًا استراتيجيًا مهمًا جعلها محورًا للتجارة والقوافل عبر القرون. وقد حافظت قبائلها، عبر الأزمان، على روابط البيعة والولاء لسلاطين المغرب، وهو ارتباط راسخ توارثته الأجيال جيلًا بعد جيل.
وعندما دخل الاستعمار الأوروبي إلى المنطقة في نهاية القرن التاسع عشر، حاول إعادة تشكيل الخريطة وتفكيك الروابط التاريخية بين الصحراء والمغرب، فكانت فترة الاحتلال الإسباني لحظة عارضة لم تُسقط الشرعية المغربية الأصلية. ومع بداية السبعينيات، وتنامي حركة التحرر في شمال إفريقيا، دخل ملف الصحراء المغربية طوره السياسي الحديث، خصوصًا بعد رأي محكمة العدل الدولية سنة 1975 التي أكدت وجود روابط بيعة بين سلاطين المغرب وقبائل الصحراء. حينها بدأ المغرب يستعد لإكمال تحرير أراضيه من الاستعمار الإسباني، وصولًا إلى محطة المسيرة الخضراء التي أنهت الوجود الاستعماري وفتحت صفحة جديدة في تاريخ الأقاليم الجنوبية.
ومنذ سنة 1975 دخل ملف الصحراء منعطفه السياسي الكبير عبر تنظيم المغرب للمسيرة الخضراء التي كانت حدثًا تاريخيًا استعاد به المغرب سيادته على أقاليمه الجنوبية. وبدأت منذ ذلك التاريخ عملية الإدماج الوطني، ووضع أسس التنمية، دون إغفال البعد السياسي للنزاع المفتعل الذي حاولت أطراف خارجية استغلاله. ومع بداية تطبيق المسلسل الأممي، تم التوجه نحو خيار الاستفتاء كآلية للحل، وهو خيار تعامل معه المغرب بكامل الجدية رغم ما رافقه من تعقيدات هيكلية.
غير أن مسلسل تحديد الهوية وما ترتب عنه من خلافات عميقة جعل الاستفتاء خيارًا غير قابل للتطبيق، خصوصًا بعد العراقيل التي وضعتها جبهة البوليساريو ومن يدعمها، وهي عراقيل شلت هذا المسار تمامًا. وبعد سنوات من المفاوضات، تم الإعلان عن وقف إطلاق النار تحت إشراف الأمم المتحدة سنة 1991، قبل أن تعلن البوليساريو بنفسها التخلي عن خيار الاستفتاء، مما فتح المجال لصياغة حل سياسي واقعي. وقد جاء القرار الأممي 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025 ليحسم الموقف الدولي لصالح مبادرة الحكم الذاتي المقدمة من المغرب باعتبارها الحل الجاد والعملي الوحيد لإنهاء هذا النزاع الإقليمي المفتعل، وعموده الفقري القبائل الصحراوية.
من هذا المنطلق، تبقى الحواضن الإجتماعية من مختلف المشارب والخلفيات، عبر التاريخ ركيزة أساسية في تاريخ الصحراء المغربية، إذ اشتهرت بالشجاعة والكرم والوفاء، وكانت دائمًا سندًا للمملكة في مختلف الظروف التاريخية والمحطات السياسية. وتمتاز هذه القبائل بخصال الشهامة والحكمة والتمسك بالقيم الأصيلة، وهي قبائل حافظت على بنية اجتماعية متماسكة لعبت دورًا محوريًا في حماية المجال الصحراوي وفي استمرارية الروابط مع الملوك العلويين.
ومن بين هذه القبائل العريقة تبرز قبائل أيتوسى التي تعد من أبرز مكونات الصحراء. فقد اشتهرت عبر التاريخ بصلابتها وقوة شخصيتها وحكمائها وأعلامها الذين لعبوا دورًا وطنيًا مهمًا، سواء في حفظ الأمن أو في الدفاع عن السيادة المغربية. وتمتاز أيتوسى بانسجامها الداخلي وتكاتف بطونها وتاريخها الوطني المتجذر، مما جعلها قبيلة ذات مكانة متميزة في البناء الاجتماعي الصحراوي.
قبائل أيتوسى، بما تمثله من ثِقل داخل قبائل تكنة، شكلت عبر التاريخ مكوّنًا رئيسيًا في النسيج الاجتماعي والسياسي للجنوب المغربي. وهي قبائل ذات جذور عريقة، تمتد من آسا الزاك إلى المحبس وأجديرية، وتشتهر بثقافتها الحسانية وبنظامها العرفي القائم على الشورى واحترام الضوابط والتدرج المجتمعي. وتمتلك هذه القبائل تقسيمات داخلية تاريخية تشمل العشرات من الأعراش والبطون والأسر العريقة، لكل منها مجالاته وامتداداته ورجالاته الذين أسسوا لوجود قوي ومنسجم عبر الزمان. ورغم التغييرات التي عرفتها المنطقة، ظلت هذه الأعراش متماسكة، محافظة على خصوصيتها وموروثها.
ولعبت قبائل أيتوسى المجاهدة دورًا جوهريًا في فترات التحولات الكبرى التي مرت بها المملكة المغربية خلال القرنين الماضيين. فمع دخول الاستعمار الفرنسي والإسباني إلى الجنوب، كانت القبيلة في الصفوف الأولى للمقاومة المسلحة، وقدّمت شهداء وأبطالًا ضحّوا بأرواحهم دفاعًا عن حوزة الوطن. وقد وثّقت المصادر التاريخية صمود هذه القبائل في مواجهة القوات الأجنبية التي حاولت اختراق مجالها، بل وكانت أيتوسى إحدى القبائل التي اعتمد عليها المغفور له الملك محمد الخامس عند عودته من المنفى لاستعادة وحدة البلاد وبناء جيش التحرير.
ومع بداية السبعينيات واندلاع النزاع في الصحراء، انخرطت قبائل أيتوسى في الدفاع عن الوطن بكل ما تملك، من الرجال والمال والعتاد. وقد كان من أبرز مساهماتها تأسيس “الوحدات”، وهي تشكيلات عسكرية محلية تولت تجنيد شباب القبيلة وإرسالهم إلى الجبهات، حتى عرف عن آسا الزاك أنها قدمت من أبنائها عددًا غير مسبوق من المقاتلين. ونجحت هذه الوحدات في دحر العديد من هجمات البوليساريو، بل أسهمت في حماية المراكز الحدودية قبل اكتمال بناء الجدار الأمني. وقد كان ذلك امتدادًا طبيعيًا للرصيد القتالي لأيتوسى المجاهدة منذ حقبة “الغزي” وانتهاءً بحرب الصحراء.
من رحم هذا التاريخ العريق، ومن عمق الرمال الهادرة بالصمت والصمود، خرج البطل الكولونيل ماجور المرحوم أيدا ولد التامك، أحد أبرز رجالات الجنوب، ورمزًا من رموز الوطنية المغربية الصافية. وُلد سنة 1910 على رمال “لحطيبة” في منطقة لحمادة، من أب مقاوم هو محمد بن مبارك بن أحمد التامك، ومن أم فريدة في شخصيتها وجرأتها، نشأ أيدا في بيئة تتشكل فيها الرجولة باكرًا، وتُغرس فيها قيم النبل والوفاء والدفاع عن الحمى. ولم يكن غريبًا أن يشتد عوده على حب الجهاد والوطن، وأن يتربى على قصص المقاومة ضد الاستعمار.
لبّى المجاهد أيدا ولد التامك نداء الوطن وهو شاب في مقتبل العمر، فالتحق أولًا بفرق الكفاح المسلح، ثم بجيوش التحرير سنة 1955، وأبان منذ اللحظة الأولى عن شجاعة استثنائية جعلت منه بين قادة الجنوب اسمًا يُشار إليه بإعجاب. وبعد استرجاع المغرب لاستقلاله، التحق سنة 1960 بالقوات المسلحة الملكية، حيث بدأ مسارًا عسكريًا طويلًا بلغ فيه أعلى مراتب الشرف والكفاءة. وقد عرف عنه أنه القائد الذي لا ينسحب، والفارس الذي لا تفارقه بندقيته، رجل واجه الموت مرات ومرات دون أن يتراجع خطوة واحدة.
قاد المجاهد والقائد العسكري أيدا ولد التامك وحدات من الجيش المغربي في معارك خالدة سجّلها التاريخ بمداد من فخر: معارك مركالة، أم لعشار الأولى والثانية، إيشت، تگل قرب موريتانيا، أرغيوة، الساقية الحمراء……، وغيرها من المواقع الاستراتيجية التي كانت ساحات لمواجهات شرسة أثبت فيها الجنود المغاربة بأسًا لا نظير له. ولم يتوقف دوره عند هذا الحد، بل خاض معارك آيت باعمران، وكان أحد قادة الهجوم التاريخي على معسكرات الجيش الإسباني، وخاصة معسكر تيلوين الذي ما زال يُذكر إلى اليوم كصفحة مشرقة من صفحات المقاومة المغربية.
ومع بداية نزاع الصحراء، عاد اسمه ليتردد بقوة، إذ كان من أبرز الضباط الذين شاركوا في تأسيس الحزام الدفاعي (الربط)، وخاض معارك الوركزيز والمسيد والبيرات والفارسية والسمارة والزاك…….، مسطرًا صفحات من البطولة ستظل شاهدة على إخلاصه للمغرب. ولم تمنعه رتبته العالية — فقد أصبح عميدًا (كولونيل ماجور) — من البقاء في الصفوف الأمامية، بل كان يرى أن مكانه الطبيعي هو الموقع الذي تُسمع فيه طلقات المدافع وتشم فيه رائحة البارود. وعندما عُيّن باشا على مدينة الزاك سنة 1976، رفض أن يضع بندقيته جانبًا، وظل قريبًا من الميدان، مرابطًا في تويزكي يحرس الحدود كما يحرس الأب أبناءه.
لم تكن حياة أيدا ولد التامك مجرد معارك وحروب، بل كانت مسارًا طويلًا من الوفاء للدين والوطن والملك. وقد نال تكريمات ملكية سامية من جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، ثم من جلالة الملك محمد السادس نصره الله، تقديرًا لخدماته الجليلة. وكان رحمه الله إلى جانب ذلك الأب الروحي لعدد من الأطر والضباط الذين ساروا على نهجه، وفي مقدمتهم المندوب السامي السيد محمد صالح التامك، المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، الذي حمل مشعل الوطنية بصدق ومسؤولية، وظل خير امتداد لمدرسة آل التامك في الوفاء والانضباط.
ورحل أيدا ولد التامك يوم 6 يناير 2015 عن عمر ناهز 105 سنوات، تاركًا خلفه سيرة تتجاوز حياة فرد واحد، لتصبح صفحة من تاريخ الجنوب المغربي ورمزًا من رموز التضحية والفداء. ولئن غاب جسده، فإن ذكراه لا تزال ماثلة في ذاكرة الوطن، وفي قلوب رجال أيتوسى الذين عرفوه فارسًا مقدامًا وقائدًا شجاعًا، وفي ذاكرة كل مغربي يُقدّر معنى التضحية.
وترتبط مسيرة المجاهد أيدا التامك بمسيرة أبنائه وحفدته من ٱل التامك الذين واصلوا نهجه وأكدوا أصالة تربيتهم، وعلى رأسهم الابن البار لٱل التامك الإطار الوطني المعروف محمد صالح التامك، الذي بصم الساحة الإدارية المغربية بحضور قوي ومسار مهني متميز. فقد عرف الرجل بكفاءته الكبيرة وقدرته على تدبير الملفات الحساسة، مما جعله يحظى بثقة الدولة المغربية في مختلف المسؤوليات التي تولاها.
ويشغل محمد صالح التامك منصب المدير العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وقد تمكن من تطوير هذه المؤسسة بما ينسجم مع متطلبات الحكامة الجيدة، مع الحرص على تطوير البنية الإدارية، وإرساء رؤية حديثة لإعادة الإدماج، وتطبيق معايير تحفظ كرامة النزلاء وتحسن أداء المؤسسة. وقد أكسبه هذا العمل الجاد احترامًا واسعًا داخل المغرب وخارجه، باعتباره نموذجًا للمسؤول الوطني الملتزم.
ويمر مسار محمد صالح التامك عبر محطات عديدة أثبت فيها جدارة كبيرة، تظهر في حنكته وصرامته عندما يتطلب الأمر ذلك، وفي إنسانيته وحرصه على الجوانب الاجتماعية حين تكون الظروف مناسبة. وقد استطاع أن يجعل من المؤسسة التي يديرها نموذجًا إداريًا محترمًا، الأمر الذي جعله من أبرز الشخصيات الوطنية في الزمن الإداري المعاصر.
من هنا، تبقى قبائل أيتوسى المجاهدة، رغم تحولات الزمن، وفيّة لهويتها وقيمها، تجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الالتزام الوطني والقدرة على التكيف مع التحديات. وقد أثبتت في كل المناسبات أنها قبيلة مخلصة العرش العلوي المجيد، ثابتة في وطنيتها، تدافع عن الوحدة الترابية وتفتخر بالانتماء إلى هذا الوطن العزيز. إن أيتوسى كانت ولا تزال أحد أعمدة الصحراء المغربية.
وتؤكد مواقف أيتوسى المتتالية، منذ عقود طويلة، أن القبيلة ليست مجرد حاضنة إجتماعية، بل هي رافعة وطنية حقيقية، ساهمت في حماية الصحراء المغربية وفي تقوية اللحمة الوطنية. ويظل اسم أيتوسى مقرونًا بالوفاء، والإخلاص، والرجولة، والنخوة، والمواقف الصادقة التي تعكس معدنها الأصيل، مما يجعلها عنوانًا مشرفًا للصحراء المغربية ولتاريخها الممتد.




